البغدادي
219
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
و « الفرزدق » قال صاحب « العباب » : قال الليث : الفرزدق : الرغيف الذي يسقط في التنّور ؛ ويقولون أيضا الفرزدقة . قال : وقال بعضهم : هو فتات الخبز . وقال غيره : الفرزدق القطعة من العجين وأصلها بالفارسية براذده . وقال ابن فارس : هذه كلمة منحوتة من كلمتين ، من فرز ومن دقّ لأنه دقيق عجن ثم أفرزت منه قطعة ، فهي من الإفراز والدقيق ا . ه فلقب بأحد هذه المعاني . ويشهد للأول ما روي أنه كان أصابه جدري وبقي أثره في وجهه . ويروى أن رجلا قال له : يا أبا فراس ، كأنّ وجهك أحراح مجموعة ! فقال : تأمّل هل ترى فيها حر أمّك ؟ والأحراح : جمع حر بالكسر وحذف لام الفعل ، هو فرج المرأة - وأخذ الفرزدق هذا الجواب من كلام أبي الأسود الدّيلي ، فإنه كما في « الأغاني » « 1 » قال : « كان طريق أبي الأسود إلى المسجد والسوق في بني تيم الله بن ثعلبة ، وكان فيهم رجل متفحّش يكثر الاستهزاء بمن يمّر به ، فمر به أبو الأسود يوما فلما رآه قال لقومه : كأنّ وجه أبي الأسود وجه عجوز راحت إلى أهلها بطلاق ! فضحك القوم وأعرض عنه أبو الأسود . ثم مرّ بهم ، فقال لهم : كأنّ غضون قفا أبي الأسود غضون الفقاح ! فأقبل عليه أبو الأسود فقال : هل تعرف فقحة أبيك فيهن ؟ فأفحمه وضحك القوم منه ، وقاموا إلى أبي الأسود فاعتذروا إليه ، ولم يعاوده الرجل بعد ذلك » . ويحتمل أنه لقب بالمعنى الثالث ، وبه صرح ابن قتيبة في « أدب الكاتب » فقال : « والفرزدق قطع العجين ، واحدها فرزدقة ، ومنه سمي الرجل ، وهو لقب له لأنّه كان جهم الوجه » . ويحتمل أنه لقب بالمعنى الثاني بأن شبه غضون وجهه بفتات الخبز . وقال ابن السيّد في « شرح شواهد الجمل » ، وتبعه فيها ابن هشام اللخميّ وابن خلف وغيرهما : قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء : « إنّما سمّي الفرزدق لغلظه وقصره ، شبّه بالفتيتة التي تشربها النساء وهو الفرزدقة » ا . ه . أقول : لم أر الفرزدقة بهذا المعنى في اللغة ، ولا الفتيتة بمعنى ما ذكره . على أنّ ابن قتيبة لم يذكر في الطبقات شيئا في تلقيبه بالفرزدق . ثم رأيت في الأغاني في ترجمته « 2 » أن الفرزدق الرغيف الضخم الذي يجفّفه النساء للفتوت . وروى أن الجهم ابن سويد بن المنذر الجرمي قال له : ما وجدت أمّك اسما لك إلّا الفرزدق الذي
--> ( 1 ) الأغاني 12 / 302 . ( 2 ) الأغاني 21 / 276 .